بسم الله الرحمن الرحيم
المقدمة:
الاستفتاح : الحمد لله وحده ، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله ، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. شرح بعض مفردات العنوان: يحسن أن نشرح بعض مفردات عنوان هذا البحث ، حيث إن الكلام متعلق به ، وهي كلمات علمية ، استخدمها العلماء استخداما خاصا ، وهي : ضوابط : في اللغة : جمع ضابطة ، وهي الماسكة ، والضبط : الحفظ بالحزم . في الاصطلاح : حكم كلي ينطبق على جزئياته ، والذي يفرقه عن القواعد الفقهية هو أن الضابط يطلق في الغالب على ما اختص بباب واحد ، أو جزء باب ، وقصد به جمع صور متشابهة . المصلحة : المنفعة ، وضد المفسدة ، واحدة المصالح . في الاصطلاح : اللذة ووسيلتها . المفسدة : المضرة ، وضد المصلحة ، واحدة المفاسد . في الاصطلاح : الألم ووسيلته .
يتضح من خلال هذا الشرح أن العنوان يبحث فيما يحفظ ويقيد لك المصالح والمفاسد في توحيد رؤية الهلال في هذه المنطقة من العالم ، فإذا كان كذلك فقد آن موعد الشروع في المقصود ، فنحاول أن نستجلي ما تضمنته المسألة من مصالح ومفاسد ، بعرضها على القواعد الأصولية ، في المصالح والمفاسد ، لأن الأحكام في الشريعة مناطة بجلب المصالح وتكثيرها ، ودفع المفاسد وتقليلها. يقول الإمام الشاطبي يرحمه الله : " .. أن وضع الشرائع إنما هو لمصالح العباد في العاجل والآجل معا .. " . وهذه المصالح قد قسمها العلماء أقساما هي : أولا : مصلحة درء المفسدة : وهي الضروريات ، والضرورية ما لابد منها في قيام مصالح الدين والدنيا ، بحيث إذا فقدت لم تجر مصالح الدنيا على استقامة . ثانيا : مصلحة جلب المصلحة : وتسمى الحاجيات ، وهي ما كان مفتقرا إليه من حيث التوسعة ، ورفع الضيق المؤدي في الغالب إلى الحرج والمشقة اللاحقة بفوت المطلوب . ثالثا : التحسينات : وهي الجري على مكارم الأخلاق ، ومحاسن العادات .
ولأجل مراعاة هذه المصالح ، رأى العلماء : نصب الأئمة ، وتسليط الولي على عقد نكاح الصغيرة ، لحاجة تحصيل الكفء ، خوفا من فواته ، وقالوا : إنه إن حوفظ على الضروري فينبغي المحافظة على الحاجي ، وإذا حوفظ على الحاجي ، فينبغي المحافظة على التحسيني ، فإذا كان التحسيني يخدم الحاجي ، والحاجي يخدم الضروري ، فإذا الضروري هو المطلوب . فإذا جئنا إلى مسألة توحيد رؤية الهلال ، ونظرنا في أدلتها، نظرة متأمل فاحص ، وجدنا فيها مصلحة دينية ودنيوية ، وهذا بيانها: فقول الله سبحانه وتعالى : " يسألونك عن الأهلة قل هي مواقيت للناس والحج .." . كون الأهلة – التي من أهمها هلال شهر رمضان - كونها مواقيت للناس دليل على تعلق الحكم بها ، وهي معرفة الأوقات ، حيث إن الشريعة وضعت كثيرا من العبادات على أوقات يجب معرفتها ، وفي معرفتها من المصالح شيء كثير، ولا يخفى على أي عاقل ما في فوت معرفة هذه المواقيت ، من تفويت المصالح ، وتفويت المصالح مفسدة ، دأبت الشريعة على درئها بمنع وقوعها ، أو تقليلها إذا وقعت . وقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه : " صوموا لرؤيته ، وأفطروا لرؤيته ، فإن غبي عليكم فأكملوا عدة شعبان ثلاثين " . فإنه علق الحكم الذي هو وجوب الصوم في بداية شهر رمضان بالرؤية ، وعلق الحكم الذي هو وجوب الإفطار في نهاية شهر رمضان بالرؤية ،وذلك لأن الرؤية صالحة لأناطة الحكم بها ، وهي حاصلة في الميقات فتعلق بها ما يمكن أن يكون مقصودا، وهو توحيد الفعل ، والاجتماع على الامتثال، وعدم التفرق فيه ، وهذا هو المناسبة وهي تحصيل مصلحة ودرء مفسدة . يقول الإيجي : " واعلم أن المناسب في الاصطلاح : وصف ظاهر منضبط ، يحصل عقلا من ترتيب الحكم عليه ما يصلح أن يكون مقصودا للعقلاء ، والمقصود إما حصول مصلحة أو دفع مفسدة ، والمصلحة اللذة ووسيلتها ، والمفسدة الألم ووسيلته ، وكلاهما نفسي وبدني ، ودنيوي وأخروي ،لأن العاقل إذا خير اختار المصلحة ودفع المفسدة ، وما هو كذلك فإنه يصلح مقصودا قطعا " وبيان ذلك في مسألتنا كما ما يلي :
1- أن الإنسان إذا علم برؤية الهلال وقت دخول شهر رمضان وخروجه ، سلم من الأكل في يوم حرم الأكل فيه ، لأنه من رمضان ،أو صام في يوم حرم الصوم فيه لأنه يوم العيد، والحماية من اقتراف الحرام مصلحة بعينها. 2 – كون المسلمين يصومون برؤية واحدة ، ويفطرون برؤية واحدة ، مظهر من مظاهر الاجتماع والتآلف والقوة في الكلمة والعبادة ، مما يؤدي إلى الزيادة في الإيمان ، وذلك مصلحة دعت الشريعة إليها ، وضدها – بدون شك – مفسدة ، وهو الافتراق في عدم الصوم في برؤية واحدة ، والفطر برؤية واحدة مع الإمكان . 3 – كون التوحيد ممكنا - وهذا مصلحة - مع كثير من بلاد الله ، حيث لا يفصلنا عنهم إلا ساعات قليلة ، لا تأثير لها في الاختلاف الزمني . وأما كونه ممكنا في بلد واحد ، وبين ظهراني أهله ، فأمر أعتقد أنه لا يمتري فيه اثنان ، لأنه ممكن عقلا ، وواقع حسا . أما عقلا : فلأنه لا يختلف أجزاء بلد واحد بما يلفت النظر ، ولا يدعي مدع في ذلك اختلاف المطالع . وأما حسا : فلأنا صمنا كثيرا برؤية قوم في أنحاء بلادنا ، وأفطرنا كذلك ، فلولا الإمكان لما جاز ذلك منا . يقول الإمام الشاطبي يرحمه الله : " المصالح المجتلبة شرعا ، والمفاسد المستدفعة ، إنما تعتبر من حيث تقام الحياة الدنيا للحياة الأخرى ، لا من حيث أهواء النفوس في جلب مصالحها العادية ، أو درء مفاسدها العادية .
واستدل بأدلة :
أولا : قول الله تعالى : " ولو اتبع الحق أهواءهم لفسدت السماوات والأرض ومن فيهن" .
ثانيا : أن المنافع الحاصلة للمكلف مشوبة بالمضار عادة ، كما أن المضار محفوفة ببعض المنافع . ومعنى هذا : أن أهواء النفوس لا تنضبط في ذلك ، فلا ترجع المصالح إليها ، بل ترجع إلى الشرع .
ثالثا : المنافع والمضار عامتها أن تكون إضافية لا حقيقية .
رابعا : أن الأغراض في الأمر الواحد تختلف ، بحيث إذا نفذ غرض بعض ، وهو منتفع به ، تضرر الآخر ، لمخالفة غرضه .. .
الختام :
نخلص إلى القول بأن توحيد رؤية الهلال مصلحة دينية ودنيوية كما بينا ،وفي حالة عدم الامتثال مفسدة ، لأن الاختلاف في الأكثر يمنع أن يكون وضع الشريعة على وفق الأغراض ، وإنما يستتب أمرها بوضعها على وفق المصالح مطلقا ، وافقت الأغراض أو خالفها، لأن الشارع قاصد بها أن يكون وضعها على ذلك الوجه أبديا وكليا وعاما في جميع أنواع التكليف والمكلفين في جميع الأحوال . وعليه أقترح الآتي : 1 – تشكيل لجنة تعنى برؤية الهلال طول السنة في كل بلد . 2 – التنسيق التام بين هذه اللجان . 3 – إيجاد صبغة رسمية لهذه اللجان . 4 – تعيين منسق مهتم جاد لهذه العملية . نسأل الله تبارك وتعالى أن يبارك لنا في هذا السعي ، وأن يوفقنا للعمل برؤية واحدة في جميع أرجاء بلادنا ، إنه ولي ذلك والقادر عليه ، وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم تسليما .
قائمة المراجع
1 – القرآن الكريم . 2 – حاشية التفتازاني ( دار الكتب العلمية بيروت – لبنان 1403هـ - 1983 م . 3 – شرح تنقيح الفصول ( دار الفكر للطباعة ، 1393هـ - 1973 م ). 4 – صحيح البخاري ( دار الجيل ، بيروت – لبنان ) . 5 – القاموس المحيط ( مؤسسة الرسالة ، 1407هـ - 1987م ) . 6 – لسان العرب ( دار العرب ، بيروت – لينان ) . 7 – مذكرة أصول الفقه ( مكتبة ابن تيمية القاهرة / مكتبة العلم – جدة ) . 8 – المعجم الوسيط ( مجمع اللغة العربية ، جمهورية مصر العربية ) . 9 – الموافقات ( دار الفكر العربي ).
الدكتور امباي كيبا امبي الغامبي